محمد بن زكريا الرازي
5
الحاوي في الطب
المجلد الأول بسم اللّه الرّحمن الرّحيم مقدمة الحمد للّه رب العالمين وكفى والصلاة والسّلام على المصطفى تذكر المصادر أن أول عربي درس الطب ومارسه كمهنة هو الحارث بن خلدة ، الذي سافر قبل ظهور الإسلام بقليل إلى بلاد فارس حيث التحق بمدرسة « جنديسابور » الطبية وعاد بعد تخرجه منها ليزاول مهنته في الجزيرة العربية . وكانت هذه المدرسة تدرس الطب على أيدي أطباء يونانيين أسرهم الفرس خلال حروبهم المتعاقبة . وعندما فتح الإسكندر المقدوني بلاد فارس أمر بتدريس اللغة اليونانية في هذه المدرسة ، مما أتاح للمتعلمين الفرس أن ينهلوا من العلوم اليونانية . وعندما لجأ النساطرة إلى بلاد فارس بعد أن أمر الإمبراطور الروماني « زينو » بإغلاق جامعة « أديسا » الواقعة بالقرب من حلب لمناصرتها للنساطرة ، كانت مدرسة « جنديسابور » في أوج ازدهارها . وقد كانت تلك الجامعة تدرس أسس الطب الأبقراطي نسبة إلى « أبقراط » وفيها تعلم النساطرة اليونانية لغة أسفارهم الدينية ، فتمكنوا نتيجة لذلك من الإلمام بالعلوم الطبية اليونانية . لقد دعم لجوء النساطرة إلى مدرسة « جنديسابور » النهج الطبي اليوناني فيها ، وهو نهج يعتمد على الملاحظة المستمرة ودراسة الأعراض ومراقبة نتيجة العلاج ، ويعتبر الطب اليوناني على أساسه أول طب حديث عرفه العالم . ولقد سقطت مدينة جنديسابور في يد المسلمين عام 630 للميلاد ، وحافظت الدولة الإسلامية على معهدها العلمي كأهم مراكزها الطبية ، إلى أن نحتها بغداد ، في العهد العباسي ، عن مكانتها باجتذاب أفضل أساتذتها وطلبتها إليها . تبرز أسماء أطباء عرب منذ أيام « الحارث بن خلدة » إلى أيام العباسيين . بيد أن العلماء العرب بما فطروا عليه من فطنة وذكاء طوروا العلوم الطبية اليونانية ، التي كان يدرسها أساتذة مدرسة « جنديسابور » في بغداد ، ووسعوها ، فكانت حقا بداية عصرهم الذهبي في مجال العلوم الطبية . وكان الخلفاء العباسيون ينفقون أموالا طائلة على ترجمة العلوم من اليونانية والسريانية والهندية إلى العربية ، وقد بلغ ذلك أوجه في عهد المأمون الذي أسس كلية خاصة بالمترجمين على نفقة الدولة . ونتج عن ذلك تقدم ملموس في مجالات كثيرة .